الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
110
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ويجوز الجمع بين المعنيين باستعمال اللفظ في مجازيه ، وهو المناسب لجمع العذابين في قوله : فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وعلى الوجهين يجري تفسير حكم اللّه بينهم فيما هم فيه يختلفون . وقوله : فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ إلى قوله فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ تفصيل لما أجمل في قوله فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ . وقوله فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ المقصود من هذا الوعيد هو عذاب الآخرة لأنه وقع في حيز تفصيل الضمائر من قوله : فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ وإنما يكون ذلك في الآخرة ، فذكر عذاب الدنيا هنا إدماج . فإن كان هذا مما خاطب اللّه به عيسى فهو مستعمل في صريح معناه ، وإن كان كلاما من اللّه في القرآن خوطب به النبي صلى اللّه عليه وسلم والمسلمون ، صح أن يكون مرادا منه أيضا التعريض بالمشركين في ظلمهم محمدا صلى اللّه عليه وسلم عن مكابرة منهم وحسد . وتقدم تفسير إسناد المحبة إلى اللّه عند قوله : قل إن كنتم تحبون اللّه في هذه السورة . وجملة وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ تذييل لجملة فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي ولا يجدون ناصرين ينصرونهم علينا في تعذيبهم الذي قدّره اللّه تعالى . واعلم أنّ قوله فأعذّبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة قضية جزئية لا تقتضي استمرار العذابين : فأما عذاب الدنيا فهو يجري على نظام أحوال الدنيا : من شدة وضعف وعدم استمرار ، فمعنى انتفاء الناصرين لهم منه انتفاء الناصرين في المدة التي قدّرها اللّه لتعذيبهم في الدنيا ، وهذا متفاوت ، وقد وجد اليهود ناصرين في بعض الأزمان مثل قصة استير في الماضي وقضية فلسطين في هذا العصر . وأما عذاب الآخرة : فهو مطلق هنا ، ومقيد في آيات كثيرة بالتأييد ، كما قال : وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ [ البقرة : 167 ] . وجملة وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ تذييل للتفصيل كله فهي تذييل ثان لجملة فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً بصريح معناها ، أي أعذّبهم لأنهم ظالمون واللّه لا يحبّ الظالمين وتذييل لجملة وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إلى آخرها ، بكناية معناها ؛ لأنّ انتفاء محبة اللّه الظالمين يستلزم أنه يحبّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلذلك يعطيهم ثوابهم وافيا .